في أحد المتاحف الرقمية بلندن، عُرضت مؤخراً لوحةٌ لوجه امرأة بألوانٍ نيون صارخة وخطوطٍ متعرجة تذكّر بملصقات السينما من ثمانينيات القرن الماضي. المفاجأة أنّ الفنان لم يمسّ فرشاةً في حياته. اللوحة صمّمها برنامج ذكاء اصطناعي، وأقام المعرض حولها نقاشاً لم يكن أحد يتخيّله قبل خمس سنوات: هل نحن حقاً في عهدٍ جديد، أم أنّنا نعيد تدوير الذكريات بأدوات أسرع؟
هذا السؤال يتردد في أروقة دور النشر واستوديوهات التصميم والمنازل العادية. تطبيقات مثل Midjourney وDALL-E وStable Diffusion لم تكتفِ بتوليد الصور، بل أصبحت تُنتج بكمّياتٍ هائلة نمطاً بصرياً يحاكي بشكلٍ مُحيّرٍ عصر الكاسيت والملصقات اليدوية. لكنّ الفضول ليس في التقنية نفسها، بل في سرّ هذا الانسجام الغامض بين ألغوريثمات القرن الحادي والعشرين وشوقٍ بشريٍّ لم ينْدثر.
لماذا الثمانينات تحديداً؟
ليس من الصدفة أنّ آلة تتعلّم من مليارات الصور تلتقط هواجسنا الجمالية بدقة. الثمانينات كانت فترة تحوّلٍ تقنيٍّ أيضاً: ظهور الحاسوب الشخصي، بدايات الرسوم الرقمية، أولى المحاولات لبعث الحياة في البكسل. ربما تكمن السرّية في أنّ هذا العصر يمثّل نقطة التقاء بين اليد البشرية والآلة الناشئة. الملصق اليدوي ذو الألوان الاصطناعية كان يُصمَّم بأدواتٍ بسيطة، والآن تُعيد آلةٌ معقّدة إنتاج ذات الملمّس.
الفرق اللافت أنّ الجيل الذي لم يعِش الثمانينات هو الأكثر افتتاناً بهذا الترند. شابٌّ يبلغ من العمر عشرين عاماً في القاهرة أو دبي أو الرياض يستخدم وصفاً نصياً بالإنجليزية أو العربية ليولّد صورةً لسيارةٍ رياضية بجانب نخلةٍ وألوانٍ نيون، ويشعر بارتياحٍ غامض كأنّه يرى شيئاً من طفولته لم يُولد فيها بعد. هذا ليس تزييفاً للتاريخ، بل هو نوعٌ جديد من التخيّل الجماعي: نستعير ماضياً مُصنّعاً لنُخفّف من سرعة الحاضر.
الملصق الذي لم يرسمه أحد
في استوديوهات التصميم التجاري، تحوّل هذا الترند إلى لغةٍ رسمية. علامات تجارية للموسيقى الإلكترونية، ومقاهٍ متخصّصة، ومنتجات تجميل، كلّها تتبنّى الألوان الفوسفورية والخطوط المشطوفة والتدرّجات الزاهية. لكنّ المُنتَج الآلي يحمل غموضاً إضافياً: هل يمكنك حقاً امتلاك تصميمٍ لم يُخلق بإرادةٍ بشرية؟ هل حقوق النشر تُطبَّق على نمطٍ استُخلص من آلاف الأعمال الأصلية؟
بعض المصمّمين التقليديين يرون في هذه الموجة تهديداً. آخرون يستخدمونها كمرحلةٍ أولى: يولّدون مئات الاختلافات بالذكاء الاصطناعي، ثمّ يختارون واحدةً ويعيدون رسمها باليد، أو يدمّجونها مع عناصرٍ حقيقية. النتيجة ليست آلةً تُحلّ محلّ الإنسان، بل أداةً تُوسّع حدود ما يمكن تخيّله.
الشوق كسلعة رقمية
التسويق الرقمي فطن سريعاً إلى هذا المزاج. منصّات التواصل الاجتماعي تُغذّي نفسها بنفسها: صورةٌ فوسفورية لتسعينياتٍ مُصنّعةٍ في 2024 تحصد آلاف الإعجابات، وتُلهم مستخدمين آخرين لتوليد مثيلاتها، فتنشأ دائرةٌ مغلقةٌ من الذوق المُعاد إنتاجه آلياً. لكنّ هذا ليس بالضرورة سلباً. في عالمٍ يتغيّر بسرعةٍ مُذهلة، ربما يحتاج البشر إلى أنماطٍ بصريةٍ تذكّرهم بأنّ التقنية يمكن أن تكون مرحةً أيضاً، لا فعّالةً فحسب.
الجانب المُقلق يكمن في التجانس. عندما تتقن الآلة إنتاج شيءٍ مُرِحّ وغامض، هل ما زال غامضاً؟ الثمانينات الأصلية كانت فوضى: أخطاء مطبعية، ألوانٌ لا تُحتسب، تصاميم تُولَد في ظروفٍ ماديةٍ صعبة. النسخة الآلية نظيفةٌ جداً، مُحكّمةٌ جداً، كأنّها تُغنّي الأغنية بصوتٍ جميلٍ لكن بلا حنجرة.
ما يبقى من الإنسان
في ورشةٍ صغيرة ببيروت، تعمل مصمّمةٌ جرافيكٌ على دمج الصور المولّدة آلياً مع طباعٍ يدويةٍ من حنين الثمانينات. تقول إنّ العميل يطلب غالباً "شيئاً يبدو قديماً لكن جديداً". هذا التناقض يُعرّف لحظتنا. نريد راحةَ التقنية ودفءَ الذاكرة في آنٍ واحد.
الذكاء الاصطناعي لم يُعِد اختراع الثمانينات. لكنّه كشف عن شيءٍ أعمق: أنّنا لا نبحث حقاً عن عصرٍ مضى، بل عن سرّةٍ بسيطةٍ ضاعَتْ في تعقيد الحاضر. اللون الفوسفوري، الخط المشطوف، الملصق اليدوي—كلّها حواسيبٌ بشريةٌ بدائيةٌ تتحدّث عن عالمٍ كان يتخيّل المستقبل بألوانٍ صارخة. الآن، والمستقبل هنا، نتخيّل الماضي بذات الألوان. والآلة تقف في الوسط، تُردّد لنا ما نريد سماعه، بصوتٍ لا نعرف إن كنّا نثق به تماماً.
ربما هذه هي الثمانينات الحقيقية: ليست عشر سنوات في التقويم، بل حالةٌ نفسيةٌ نعيد زيارتها كلّما شعَرنا بأنّ التقنية تتقدّم أسرع من قدرتنا على استيعابها.
الألوان الفوسفورية تعود من جديد، لكن هذه المرة يكتبها خوارزمية
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/2mio9x39