انتشرت في الآونة الأخيرة عبارات مثل «لعبة جهنم» على وسائل التواصل الاجتماعي، وتتناقلها مجموعة من المراهقين والشباب بفضول متزايد. غير أن المصطلح نفسه لا يشير إلى شيء واحد محدد؛ فبعضهم يقصد به ألعاب الفيديو الرعب التي تضع اللاعب في أجواء مظلمة ومرعبة، بينما يربطه آخرون بتحديات مخيفة تنتشر عبر الإنترنت، ويُطلب من المشارك فيها تنفيذ تصرفات غريبة أو مثيرة للخوف مقابل «إثبات الشجاعة». هذا التداخل بين المعاني هو ما يجعل الحديث عنها يحتاج إلى توضيح، لأن ما قد يكون ترفيهًا بريئًا في سياق، قد يتحول إلى مخاطرة حقيقية في سياق آخر.
ما الذي يقصده الناس بـ«لعبة جهنم»؟
في عالم الألعاب الإلكترونية، يُستخدم الاسم أحيانًا للإشارة إلى ألعاب الرعب، وهي صنف معروف منذ عقود ويضم عناوين شهيرة تعتمد على الأجواء القاتمة والأصوات المفزعة والمرور بمواقف ضاغطة نفسيًا. هذه الألعاب قانونية ومتاحة للبالغين، وملايين اللاعبين حول العالم يستمتعون بها كشكل من أشكال التسلية المشحونة بالأدرينالين، تمامًا كما يستمتع البعض بأفلام الرعب أو الأفعوانيات.
أما المعنى الثاني، وهو الأكثر انتشارًا في المحتوى العربي المتداول، فيشير إلى ما يُسمى «ألعاب التحدي» أو الطقوس الشبه خرافية التي تُروى قصصها على منصات مثل تيك توك ويوتيوب. وتشمل هذه التحديات عادةً إطفاء الأنوار، وتلاوة عبارات معينة، أو محاولة «استدعاء» كائنات خارقة، مع وعد بأن من يكمل التحدي سينال شجاعة أو شهرة بين أقرانه. وفي الحقيقة، لا يوجد أي دليل على أن لهذه الطقوس أي أثر حقيقي خوف من النفس، لكن خطرها لا يكمن في الجن، بل في ما ترتبله من توتر شديد، واضطراب في النوم، وكوابيس، وفي بعض الحالات نوبات هلع لدى الأشخاص الأكثر حساسية أو الأصغر سنًا.
لماذا نجذبنا إلى الخوف أصلًا؟
قد يبدو الأمر متناقضًا أن يبحث كائن عاقل عن مواقف مرعبة طواعية، لكن التفسير النفسي بسيط نسبيًا. عندما نمر بتجربة مخيفة في بيئة آمنة، مثل الجلوس أمام شاشة، يفرز الدماغ الأدرينالين والدوبامين، وهي مواد تمنح إحساسًا بالحيوية والتركيز. وبمجرد انتهاء الموقف، يدرك العقل أن الخطر لم يكن حقيقيًا، فيتحول التوتر إلى شعور بالارتياح بل بالمتعة أحيانًا.
هذه الآلية تفسر شعبية أفلام الرعب والألعاب المرعبة على حد سواء. لكنها تفسّر أيضًا لماذا تختلف استجابة الناس لها جذريًا: فما يجعله شخصًا يشعر بالإثارة قد يجعل آخر يعاني من قلق مستمر لأيام. العمر، والحالة النفسية، والتجارب السابقة، كلها عوامل تحدد ما إذا كانت تجربة الرعب ستكون ترفيهًا أم عبئًا.
الخط الحدودي: متى تصبح اللعبة خطرًا؟
ليست كل لعبة رعب مشكلة، والمشكلة لا تكمن في النوع نفسه. المخاطر الحقيقية تظهر في نقاط محددة ينبغي الانتباه إليها:
الأولى هي التحديات التي تتضمن إيذاءً جسديًا أو حرمانًا من النوم أو بقاءً في أماكن مهجورة وخطرة ليلاً. بعض هذه التحديات تصل إلى حد التسلل إلى مبانٍ مغلقة أو الطرق على أبواب الغرباء في ساعات متأخرة، وهي تصرفات تحمل مخاطر قانونية وأمنية فعلية، بغض النظر عن أي جانب خارق للطبيعة.
الثانية هي ضغط جماعة الأقران. كثير من المراهقين يشاركون في هذه التحديات ليس لأنهم يريدون ذلك، بل خوفًا من السخرية أو رغبةً في قبولهم ضمن المجموعة. هذه نقطة حساسة، لأن القرار المتخذ تحت الضغط نادرًا ما يكون قرارًا سليمًا.
الثالثة هي المحتوى المصمم للتلاعب. بعض المقاطع المنتشرة تستخدم المؤثرات الصوتية المفاجئة والصور المخيفة بشكل متعمد لإحداث صدمة للمشاهد، وقد تكون ضارة بشكل خاص للأطفال أو لأصحاب أمراض القلب أو اضطرابات القلق.
نصائح للآباء: كيف تتعامل مع الموضوع بذكاء؟
إذا وصلت إلى مسامعك أن طفلك أو مراهقك يتحدث عن «لعبة جهنم»، فإن رد الفعل الانفعالي المباشر، كالمنع القاطع المصحوب بالتوبيخ، غالبًا ما يحقق نتيجة عكسية ويحول اللعبة إلى مغامرة ممنوعة وأكثر جاذبية. التجربة تثبت أن الحوار الهادئ أكثر فاعلية، ويمكن تلخيص مقاربته في ما يلي:
اسأل طفلك أولًا عما يعرفه عن الموضوع ومن أين سمع به، واستمع له دون مقاطعة أو استهزاء. ثم اشرح له بوضوح أن هذه التحديات ليست حقيقية بمعناها الخارق، لكنها قد تسبب أذى حقيقيًا من حيث الخوف الشديد واضطراب النوم، وأن بعض ما يُنشر على الإنترنت مصمم عمدًا لإيذاء المشاهد أو استدراجه.
من المفيد أيضًا معرفة أن الأطفال دون سن مناسبة لا ينبغي لهم أصلًا مشاهدة محتوى الرعب أو لعب الألعاب المرعبة، فهذا ليس تشددًا بل هو متوافق مع تصنيفات الألعاب والأفلام العالمية التي تضع حدودًا عمرية لسبب وجيه. أما المراهقون، فيمكن السماح لهم بمحتوى رعب خفيف إن أبدوا اهتمامًا، مع مراقبة أثره عليهم: فإذا لاحظت اضطرابًا في النوم أو خوفًا من البقاء وحيدًا أو كوابيس متكررة، فهذه إشارات واضحة إلى أن المحتوى أكبر من قدرتهم على استيعابه حاليًا.
لمن يحب الرعب: كيف تستمتع بأمان؟
لا يوجد ما يمنع البالغ من الاستمتاع بألعاب الرعب أو أفلامه، لكن بعض الضوابط البسيطة تجعل التجربة ممتعة بدلًا من مؤذية. اختر ألعابًا ذات تصنيف عمري مناسب وتقييمات جيدة، ولا تلعب في حالة نفسية سيئة أو بعد تجربة مؤلمة، وخصص وقتًا محدودًا للجلسة بدلًا من اللعب حتى الفجر، فالحرمان من النوم يضاعف أثر التوتر. وإذا شعرت بعد انتهاء اللعب بقلق مستمر أو بعدم الارتياح، فهذه إشارة إلى أن هذا النوع من المحتوى لا يناسبك شخصيًا، ولا عيب في التوقف عنه تمامًا.
أما تحديات «الطقوس» المنتشرة على الإنترنت، فالنصيحة الأصدق هي تجاهلها كليًا. فهي لا تحقق شيئًا سوى إثارة القلق، وبعضها مصمم لجذب المشاهدات على حساب السلامة النفسية للمشاركين، والشجاعة الحقيقية تظهر في مواقف الحياة الفعلية لا في إطفاء الأنوار وتكرار كلمات لا معنى لها.
خلاصة
«لعبة جهنم» عبارة تختصر ظاهرة أوسع من اسمها: التقاطع بين ثقافة الرعب الترفيهي وثقافة التحديات الفيروسية. الأولى نشاط مشروع يمكن للبالغين الاستمتاع به بوعي وضوابط، والثانية ظاهرة تستحق الحذر والتفهم في آن واحد، لأن دوافع المشاركين فيها غالبًا ما تكون فضولًا بريئًا أو رغبة في الانتماء. الفارق بين تجربة ممتعة وتجربة مؤذية لا يكمن في اللعبة نفسها، بل في من يلعبها، ولماذا، وفي أي سياق. والوعي بهذا الفارق هو خط الدفاع الأول، سواء للفرد عن نفسه أو للوالدين عن أبنائهم.