لا تفتح ألبومات الصور القديمة في الأندية المصرية دون أن تجد وجهًا واحدًا يتكرر أكثر من غيره، ليس بسبب الألقاب المتعددة المطبوعة على غلافه، بل لأنه يحمل بصمة حقبة لم تعد تعود. كرة القدم المصرية في الثمانينيات لم تكن مجرد مباريات وساحات عشبية، بل كانت قصة جماعية بنى أطرافها لاعسون نادرًا ما ينالون شحذ الإعلام الحديث، لكن ذاكرة الملاعب تذكرهم دائمًا. ومن بين هؤلاء اللاعبين، يبرز اسم بهاء سلطان كإشارة واضحة لعصر كان فيه الإبداع التكنيكي يسبق الجسدية، والذكاء الميداني يفوق عدد الأهداف المكتوبة في الكتب الرسمية.
لم يكن بهاء سلطان معروفًا بسرعاته الجارفة أو بتسديداته البعيدة المدى، بل بأسلوبه الذي يشبه لوحة مرسومة بخطوط هادئة. كان يلعب كمهاجم صريح، لكن طريقة تحركه داخل منطقة الجزاء تكشف عن عقلية لاعب يفكر قبل أن يلمس الكرة. في زمن كانت فيه التدريبات تفتقر إلى التحليل الرقمي والتغذية العلمية الدقيقة، كان اللاعبون يعتمدون على الحس الكروي الموروث والممارسة اليومية الطويلة. سجل سلطان خلال مسيرته الطويلة مع النادي الأهلي أهدافًا عديدة شكلت دعائم نجاح الفريق في الدوري المحلي وبطولات القارة الأفريقية، لكن الأهم من تلك الأرقام هو كيفية لعبه: توزيع للتمرير، حركة ذكية خلف خطوط الدفاع، وقدرة على قراءة اللحظة قبل وصول الزملاء إليه.
إذا كان هناك مقطع زمني يمكن ربطه باسمه بلا جدال، فهو عام ١٩٨٢ وفوز الأهلي بكأس الكؤوس الأفريقية. المباراة النهائية ضد فريق حوريا الغيني لم تكن مجرد لقاء رياضي، بل كانت اختبارًا لصبر الفريق تحت الضغط الخارجي. وفي خضم ذلك، برز دور سلطان كصانع ألعاب هادئ يتدخل في اللحظات الحاسمة. لم تكتب له الشهرة العريضة في الصحافة الدولية آنذاك، لأن التغطية الإعلامية القارية كانت محدودة، لكن الذين كانوا على مقربة من الدكة وعلى أرضية الملعب يعرفون جيدًا كيف كان يضبط إيقاع الهجمات. الفوز في تلك البطولة لم يكن صدفة، بل كان ثمرة عمل جماعي قادته شخصيات مثل سلطان، الذين اختاروا اللعب بذكاء بدلاً من البحث عن الأضواء.
اليوم، عندما نقارن نجوم الدوري المصري بمعايير العصر الرقمي، قد يبدو عالم بهاء سلطان بعيدًا عن الواقع الحديث. لكن هذا البعد الزمني لا يعني عدم الصلة. كرة القدم تطورت تقنيًا وتكتيكيًا، لكنها بقيت لعبة بشرية في جوهرها. ما جعل سلطان شخصية محفورة في الذاكرة ليس فقط ما حققه ميدانيًا، بل الطريقة التي مثّل بها جيلًا اعتمد على الانضباط غير المرئي، والعمل الجماعي، والوفاء للألوان. في عصر بات فيه اللاعب نجمًا تسويقيًا قبل أن يكون لاعبيًا، تظل قصص مثل قصته تذكيرًا بأن بعض القيم الكروية لا تحتاج إلى كاميرات عالية الدقة لتثبت وجودها.
ربما لن ترى اسمه يومًا في قوائم الترشيحات لأحسن لاعبي القرن، وهذا أمر طبيعي في عالم يتغير بسرعة. لكن ذاكرة الأهلي وذاكرة كرة القدم المصرية لا تحفظ الأسماء بحسابات المنصات الرقمية، بل بحساب الإنجاز والروح. بهاء سلطان يمثل حلقة وصل بين الماضي والحاضر في رياضة تتجدد كل موسم. ومن حسن حظنا أننا نذكره اليوم، ليس كمجرد رقم في إحصائية، بل كشاهد على وقت كانت فيه اللعبة تُلعَب بروح، وليس فقط بنظام.
بهاء سلطان: وراء الأرقام، روح عصر ذهبي في كرة القدم المصرية
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/2f9o73f6