في كل مرة يخرج فيها ايمليانو مارتينيز لصد هجمة مرتدة، يدرك المشاهد أن هذا الحارس لا يلعب بالصدفة. خلف الهدوء الظاهري سرعات بديهة نادرة وخبرة تراكمت عبر مسار مهني غير تقليدي.
وُلد اللاعب في مار ديل بلاتا عام 1992، وانتقل إلى إنجلترا وهو في الثامنة عشرة لتجربة حظه في آرسنال. كانت البدايات صعبة؛ فالمنافسة على القفاز الأساسي في نادٍ كبير لا ترحم، ومن بين الحراس الشباب وقتها، بدا اسمه بعيداً عن التشكيلة. لجأ النادي إلى إعارته مراراً إلى فرق مثل أكسفورد يونايتد وشيفيلد وينزداي وروثرهام، حيث كانت المهمة بسيطة: اكتسب مباريات رسمية وعد إلى لندن أكثر جاهزية. في إحدى الإعارات إلى خيتافي الإسباني، لم تتح له فرصة كبيرة أيضاً، لكنه ابتعد عن الضغط الإعلامي وركز على الجوانب الفنية.
قبل رحيله إلى أوروبا، تدرج في فئات نادي انديبندينتي، أحد أندية بوينس آيرس العريقة، حيث تعلم أساسيات الوقوف الصحيح والتعامل مع الكرات العرضية في ملاعب غالباً ما تكون أرضيتها غير مستوية. تلك البداية المحلية منحته خشونة معينة ساعدته لاحقاً في الدوري الإنجليزي. وعند مقارنته بحراس أرجنتينيين سابقين مثل أماديو كاريزو أو خيرمان بورغوس، يبرز مارتينيز كصاحب شخصية أكثر ظهوراً إعلامياً، لكنه يشاركهم نفس الحماس الدفاعي.
مع انطلاق موسم 2020، شعر مارتينيز أن الوقت قد حان للرحيل. انضم إلى أستون فيلا بصفقة دائمة، وهناك تحول من بديل إلى قائد دفاعي. في ملعب فيلا بارك، بدأ الجمهور الإنجليزي يكتشف حارساً يمتلك اندفاعاً ذكياً وتوقعاً ممتازاً لتسديدات المهاجمين. ساهم في تحسن نتائج الفريق تدريجياً، ثم شارك في التأهل لبطولات أوروبية، قبل أن يصل الفريق لدوري أبطال أوروبا في موسم 2024 بفضل جهود جماعية من بينها تصدياته الحاسمة.
التحول الدولي جاء متأخراً ولكن بقوة. استدعاه ليونيل سكالوني لتشكيلة الأرجنتين في كوبا أمريكا 2021، وكان الحارس الأساسي في المباراة النهائية التي فازت فيها الأرجنتين على البرازيل بهدف نظيف في ماراكانا. تلك الليلة لم تكن مجرد لقب، بل كانت إعلان ميلاد حارس مرمى عالمي. بعدها بأشهر، توج مع المنتخب بلقب "الفيناليسيما" ضد إيطاليا بطل أوروبا، وظهر بثبات أعلى المستويات.
الحدث الأكبر كان بالطبع في قطر أواخر 2022. ايمليانو مارتينيز خاض المونديال كحجر زاوية في خطة سكالوني. في دور المجموعات، حافظ على شباكه نظيفة أمام المكسيك وبولندا، ثم في الأدوار الإقصائية، كانت له كلمة الفصل أمام هولندا في ربع النهائي ومنتخب فرنسا في النهائي بتصديه لركلات حاسمة. لم يكن غريباً أن ينال جائزة القفاز الذهبي كأفضل حارس في البطولة.
نقطة فارقة في أسلوبه هي التعامل مع الركلات الترجيحية. يميل إلى دراسة المنفذ قبل المباراة، وخلال التنفيذ يتبادل الحديث، يحرّك يديه ببطء، أحياناً يلمس القائم، كل ذلك لكسر تركيز الخصم. هذه الطريقة ليست مضمونة دائماً، لكنها أعطته سمعة تجعل المهاجمين يفكرون مرتين قبل التسديد.
من الناحية الفنية، يمتاز بطول العمر المديد في الهواء، وسرعة الاندفاع الأرضي رغم ضخامة جسمه. تحسنت تمريراته كثيراً مع فيلا، وصار قادراً على اللعب كـ "مستلم آمن" تحت الضغط العالي، وهو مطلب حديث لحراس الدوري الإنجليزي. يعود لقبه "الديبو" إلى طفولته، وهو الاسم الذي يردده الجمهور في مدرجات فيلا بارك وملاعب الأرجنتين.
بالنسبة للجماهير، يمثل مارتينيز نموذجاً للاعب الذي لم يستسلم للتهميش. في سن العشرين، كان كثيرون يعتبرونه مجرد حارس احتياطي سيُنهي مسيرته في دوري الدرجة الثانية الإنجليزي أو يعود إلى أمريكا الجنوبية. اليوم، وعلى مشارف الثلاثين وما بعدها، هو أحد أعمدة منتخب بطل للعالم.
مع ذلك، يجب الانتباه إلى أن حماسه الزائد قد يضعه في مواقف جدلية. بعض الخصوم انتقدوا حركاته الاحتفالية أو تعليقاته الموجهة لهم، لكن ضمن المستطيل الأخضر، لا يختلف اثنان على جودته الدفاعية.
ختاماً، يبقى ايمليانو مارتينيز مثالاً حياً على أن موهبة حراسة المرمى تحتاج إلى صبر سنوات، وإلى بيئة تمنح الثقة في اللحظة المناسبة. متابعوه اليوم يتوقعون منه المزيد في المواسم القادمة، سواء مع فيلا أو في النسخة المقبلة من كوبا أمريكا.
ايمليانو مارتينيز: رحلة الصبر من مقاعد البدلاء إلى مجد التانغو
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/288op8j2