تُشرق الشمس على مكة وهي تُطلّ بقوّة لا تُماريها. في منتصف يوليو، تتسلّق درجات الحرارة إلى ما يتجاوز الخمسين مئويّة، ويتحوّل الهواء إلى موجة حارقة تلتفّ حول الجسد. لكنّ من يظنّ أنّ هذا هو وجه الطقس الوحيد للمدينة، فهو لم ينتظر حتّى المغيب.
جغرافيا تُذكّر بالصحراء
تقع مكة في وادٍ ضيّق محاط بجبال حجاز الصخرية. هذه البنية الجغرافية تُفسّر الكثير. الهواء المحاصر بين الجبال لا يجد منفذًا سهلًا للحركة، فيتراكم الحرّ النهاري ويُصعّب التبريد. الرطوبة القادمة من البحر الأحمر تبعد نحو سبعين كيلومترًا، لذا تصل مشوّهةً، لا منتعشةً.
لكنّ الجبال نفسها تُهدي المدينة ما يُشبه العهد المسائي. حين تغيب الشمس خلف قممها، تبدأ درجات الحرارة بالهبوط بسرعة تُدهش الزائر. الفارق بين الظهيرة والليل قد يصل إلى عشرين درجة أو أكثر. من يُقيم في مكة يتعلّم هذا الإيقاع سريعًا: النهار للاستظلال، والليل للتنفّس.
موسمان، لا أربعة
يُقسّم العام في مكة ببساطة: شديد الحرّ، ومعتدل. الصيف يمتدّ من مايو إلى أكتوبر، يأتي محمّلًا بالرطوبة في أشهره الأخيرة. الشتاء قصير، من ديسمبر إلى فبراير، حيث تتراوح الحرارة بين العشرين والثلاثين نهارًا، وقد تنزلق إلى الخمس عشرة ليلاً.
الأمطار؟ نادرة ومُفاجئة. لا موسم مطر واضح، بل زخّات عابرة تُغسل المدينة وتغيب. متوسّط الهطول السنوي لا يتجاوز المئة مليمتر، لكنّ حين تهطل، تُحدث الفيضانات اختناقات مرورية في شوارع الوادي الضيّقة.
كيف يتأقلم السكان
يُعيد السكّان اكتشاف البيت القديم يوميًا. الجدران السميكة، الفتحات العالية، المرواح التقليدية في الأسقف—كلّها حلول معمارية تسبق التكييف بقرون. في الأحياء القديمة، تظلّ المنازل باردة نسبيًا حتّى ظهر الصيف.
التوقيت الاجتماعي ينقلب. الأسواق تُزدحم بعد العشاء. الزيارات العائلية تتأخّر. حتّى صلاة الفجر تتّسم بطقسٍ مختلف: هواءٌ نقيّ وبارد، يُذكّر بأنّ الصحراء ليست العدوّ بل الجار.
الحج: اختبارٌ جوّيّ
لا يُمكن الحديث عن طقس مكة دون ذكر موسم الحج. يتزامن عادةً مع أشهر الصيف أو أوائل الخريف، حين تُصبح الحرارة عدوًّا حقيقيًا للحجّاج، خاصة في مشعر عرفات المكشوف. المنظمون يُحوّلون المياه إلى ضبابٍ مُبرد، والحجاج يتعلّمون شرب الماء قبل العطش.
لكنّ هناك أيضًا حجّ الشتاء، النادر، حين تُصبح مكة مدينةً أخرى تمامًا. حجّاج يصلون وهم يرتدون معاطف خفيفة. الليل يستدعي بطانيّات. هذه الوجوه المتعدّدة للمدينة تُفاجئ مَن يظنّ أنّها صحراء حارقة فحسب.
ما يأتي
التغيّر المناخي يُطرح أسئلة. هل ستزداد الحرارة؟ هل ستتغيّر أنماط الأمطار؟ مكة تُوسّع مساحتها الخضراء، تُجري دراسات على المباني المُستدامة، تُفكّر في مدنٍ لا تُنفق طاقتها في مُجاراة الصيف.
لكنّ جوهر العلاقة بين المدينة وطقسها يبقى: قبولٌ ذكيّ، تكيّفٌ مستمرّ، وإدراكٌ بأنّ الليل دائمًا ما يأتي.