في صبيحة أبريل من عام 1968، لم يكن أحد يتخيّل أنّ مجموعة من عمال حقل النفط في البريمي سيؤسّسون كياناً سيتحوّل لاحقاً إلى «مصنع أبطال» يُخرج جيلاً بعد جيل من اللاعبين الذين يُغنون المدرسة الإماراتية بلمسةٍ مختلفة. قصّة نادي العين لم تبدأ ببيان رسمي أو ميزانية ضخمة؛ بل بدأت بكرة قديمة وجدران مدرسة ريفية تُحوّل إلى ملعب مؤقّت. ذلك هو السرّ الذي ما زال يُفرزه النادي حتى اليوم: التحوّل البطيء المستمر.
الأولوية ليست «الاستحواذ» على اللاعبين، بل «صناعة» اللاعبين
في عالم ينسخ فيه الكبار صفقات بعضهم البعض، يبدو العين أكثر تشبيهاً بمختبر تجارب صامت. منذ أواخر الثمانينات، قرّرت إدارة النادي أن تُخصّص جزءاً ثابتاً من ميزانيتها السنوية لمركز «أكاديمية العين»، وهو قرار لم يكن عصياً على الفهم وقتها، لكنه اليوم يبدو نبوياً. عمر عبد الرحمن «عموري»، محمد عبد الرحمن، ومن قبلهما سالم جوهر، لم يأتوا من سوق انتقالات بل من ممرّات صغيرة داخل حرم النادي يُمنع دخولها إلا لحاملي تصاريح خاصة. تلك الممرات هي «الحاضنة» التي تُعطي اللاعب وجهاً واسماً قبل أن تُعطيه رقماً على قميصه.
عندما يتجاوز الفوز معنى الفوز
أكثر ما يلفت المتفرّج العابر في ملعب هزاع بن زايد ليس صافرة الحكم، بل ذلك الصمت المتقطّع الذي يسبق كل هدف. الجماهير هنا تنتظر «اللحظة العيناوية»؛ أي تلك اللقطة التي يدرك فيها اللاعب أن الكرة أثقل من مجرد جلد يتقاذفه قدماه. ربما كانت أشهر هذه اللحظات في نهائي دوري أبطال آسيا 2003 أمام الإتحاد الكوري، عندما أطلق سالم جوهر تسديدة «القوس الطويل» من خارج منطقة الجزاء لتستقرّ في شباك الحارس كيم. الهدف نفسه كان عبارة عن إعلان خفي: لقد نضجنا، وليس فقط فزنا.
المدينة التي ترتدي لون البنفسج
ليس من قبيل الصدفة أنّ أبراج العين تضيء باللون البنفسجي مساء كل فوز. هذا اللون لم يُفرض كهوية رسمية من مجلس إدارة، بل تبنّاه سكّان المدينة كرمز تضامن طوعي. يتحدّث سكان «الفوعة» و«المرفأ» و«الجيمي» عن «الزهرة البنفسجية» كرمزٍ محلي يجمع بين رائحة البستان وأمل المدرج. في بعض المقاهي القديمة قرب سوق الجملة، ما زال شيوخ الإمارات يتذكّرون أيام كانوا يُسمّون النادي «الزعيم الصغير» قبل أن يصبح «الزعيم» فعلاً.
ما بين المدرسة الألمانية والمدرسة العيناوية
زارتني صديقة صحفية ألمانية قبل سنوات لتكتب تقريراً عن «النموذج الخليجي في كرة القدم». كنت أُرافقها في جولة داخل أكاديمية العين، فتوقفت أمام لوحة إلكترونية تعرض «مؤشر اكتمال المهارات» لكل لاعب. ضحكت وقالت: «هذا أشبه بما نفعله في لايبزغ، لكنكم تضيفون شيئاً إضافياً: طقس الصحراء». لم تكن السخرية من ناحيتها، بل كانت ملاحظة دقيقة؛ ففي ألمانيا يُكثّف المركز التدريب لمواجهة الشتاء، بينما في العين يُعدّل البرنامج لمواجهة حرارة 45 درجة. النتيجة؟ لاعب يستطيع أن يُجري تمريرة حاسمة تحت ضغط الشمس قبل أن يفعلها تحت ضغط الجمهور.
التحدّي القادم.. خارج المستطيل
الآن يواجه النادي اختباراً جديداً ليس فنياً ولا إدارياً، بل ثقافياً: كيف يحافظ على «الهوية العيناوية» في زمن الأندية الاستثمارية؟ حين أُعلن عن شراكة استراتيجية مع شركة رياضية عالمية العام الماضي، ظهرت تساؤلات عن مستقبل الأكاديمية. الجواب جاء سريعاً من رئيس النادي: «لن نبيع الروح، سنُطوّر الأدوات». في الممارسة، هذا يعني أن التمويل الجديد سيُخصّص لعلم البيانات والتحليل الحيوي، بينما تبقى «الكرة البنفسجية» بمثابة بوصلة لا يُساوم عليها أحد.
في النهاية، لا يُقاس عمر الأندية بسنواتها، بل بقدرتها على أن تُعيد اختراع نفسها من دون أن تُبدّد جذورها. نادي العين لم يفز فقط بألقاب، بل ربح شيئاً أعقد: أن يبقى قصة مفتوحة يُكملها كل طفل يحمل حقيبة مدرسية ويرتدي قميصاً بنفسجياً يوم الجمعة. قد لا يعرف هذا الطفل بعد أنه يحمل على كتفيه جزءاً من مستقبل الإمارات الرياضي، لكن المدرّبين في المركز يعرفون. والكرة، كما هي العادة، تدور.