في زمنٍ تتشابك فيه الأصوات وتضيع بين ضجيج المنصات الرقمية، يظل البحث عن فنانٍ يحمل بصمته الخاصة تحديًا. حسام داغر، المغني والملحن السوري، يمثل حالة مختلفة: صوتٌ نشأ في دمشق القديمة، وترعرع بين أروقة الموسيقى العربية الكلاسيكية، ليصل إلى مسامع مستمعين في شوارع باريس وصالات لندن.
لم يكن طريقه مفروشًا بالورود. الشاب الذي غادر سوريا قبل أكثر من عشر سنوات حمل معه ما هو أثمن من الأمتعة: ذاكرة سمعية غنية، وفهم عميق للمقامات، ورغبةً جامحة في الحديث بلغة موسيقية تفهمها الأذن العربية دون أن تخضع لقوالبها التقليدية.
ما يميز داغر ليس صوته وحده، بل اختياره الواعي للكلمات. في ألبوماته الأخيرة، يتجاوز النمط الرومانسي المباشر ليغوص في تفاصيل الحنين كتجربة وجودية. "الغربة ليست مكانًا"، يغني في إحدى أغنياته، "بل حالة تنتقل معك حتى عندما تعود". هذه القدرة على تجريد المشاعر الشخصية ومنحها بعدًا وجوديًا، تجعل موسيقاه تتردد في آذان من لا يشاركونه اللغة أو التجربة.
لعبت الجغرافيا دورًا محوريًا في تشكيل مساره. باريس، حيث يقيم منذ سنوات، لم تكن مجرد ملجأ؛ بل كانت ورشة عمل حية. التقى فيها بموسيقيين من أصول مغاربية وإفريقية وأوروبية، ما أدى إلى تعاينات صوتية غير متوقعة. لكنه، بعكس كثيرٍ من الفنانين المغتربين، لم يسقط في فخّ "العالمة" السطحية: خلط الشرق بالغرب ببراعةٍ، دون أن يفقد الأصالة التي تجذره في تربته.
اللافت أن جمهوره يتسع بشكلٍ عضوي. في حفلٍ أقيم العام الماضي في بيروت، حضر كثيرٌ من الشباب الذين لم يولدوا حين كانت أغانٍ عربية كلاسيكية تتصدر المشهد. يتحدثون عنه بمصطلحات تتعلق بالمزاج والأجواء أكثر منها بالنوع الموسيقي. ربما هذا هو الإنجاز الأهم: أن يصبح موسيقاك لغةً حيةً تتداولها أجيالٌ لم تعش ذاكرتك الجمعية.
لا يزال داغر بعيدًا عن دائرة الضوء التجارية المباشرة، وربما يفضل ذلك. ففي عالمٍ يُقاس فيه النجاح بعدد المشاهدات، يبدو أنه يخوض رهانًا مختلفًا: بناء جمهورٍ يستمع بتركيز، لا يتنقل بين الأغنية والتعليقات بإصبعه. هذه النوعية من العلاقة بين الفنان والمستمع، التي تقترب من العقد الروحي، ربما تكون هي ما يضمن استمرارية فنٍّ يتجاوز موضته.
حسام داغر: صوتٌ يتجاوز الحدود
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/27io97xm