في المدن العربية القديمة، لم يكن الماء شيئاً يُفتح عليه الصنبور ببساطة، بل كان حدثاً يومياً له انتظاره وحسابه. كان الناس يعرفون قيمة الماء لا بوصفه خدمة عامة فقط، بل بوصفه حاجة تدخل البيوت على ظهر إنسان. من هنا وُجدت مهنة السقا، ذلك الرجل الذي كان يمرّ في الأزقة والحارات، يحمل الماء إلى من لا يجدونه قريباً، أو إلى من ضاقت بهم الجرار، أو إلى بيتٍ حلّ فيه ضيفٌ على حين غرة.
كان السقا أكثر من بائع ماء. كان جزءاً من إيقاع المدينة. صوته أو خطواته أو نداءه المعتاد كان يعني أن الحياة تعود إلى مجراها. وإذا تأخر، تأخرت معه أشياء صغيرة كثيرة: إعداد الطعام، الوضوء، غسل الثياب، سقي الدواب، وتهدئة حرّ يوم طويل. لذلك لم تكن علاقته بالناس علاقة زبون بمقدم خدمة، بل كانت أقرب إلى علاقة اعتماد متبادل. هو يعرف البيوت التي تحتاجه، وهم يعرفون أن يومهم قد يختل إذا غاب.
اشتُقّ الاسم من فعل السقاية، وهو فعل بسيط في لغته، عميق في دلالته. فالسقا هو من يتولى حمل الماء أو توزيعه أو الإشراف على وصوله إلى الناس. وفي مجتمعات عرفت العطش قبل أن تعرف الشبكات الحديثة، لم تكن هذه المهنة هامشية، بل كانت من المهن التي تُبقي العمران قائماً. الأسواق تحتاج الماء، والمساجد تحتاجه، والحمامات العامة تقوم عليه، والبيوت الكبيرة والصغيرة لا تستغني عنه.
في بعض المدن، كان السقا يعمل منفرداً، يحمل قربته أو أوعيته ويتنقل بين الحارات. وفي مدن أخرى، كانت للسقاية نظم أوسع، مرتبطة بالأوقاف أو بالأسواق أو بتوزيع الماء على أماكن محددة. لكن مهما اختلف التنظيم، ظلّت الصورة الإنسانية واحدة: رجل يجعل الماء ممكناً في مكان لا يصل إليه الماء بنفسه. لم يكن يحمل سائلاً فقط، بل يحمل طمأنينة صغيرة، قابلة للقياس بالعطش لا بالحجم.
ولأن السقا كان يدخل عتبات البيوت ويعرف أبوابها، فقد اكتسب مكانة اجتماعية خاصة. كان يعرف من في البيت مريض، ومن ينتظر ضيفاً، ومن يحتاج ماءً أكثر في يوم حار أو مناسبة. ومع الزمن، صار جزءاً من ذاكرة الحي. الناس يتبادلون معه الأخبار أحياناً، ويمازحونه، ويثقون به، لأنه حاضر في أكثر لحظات الحياة بساطة وحاجة. في المدن القديمة، لم تكن الخدمات مجهولة الوجه. كان لكل حاجة اسم وصوت وذاكرة.
ثم تغيّر كل ذلك تدريجياً. وصلت شبكات المياه، وصارت الأنابيب تحمل ما كان يُحمل على الأكتاف، وتحوّل الماء من زيارة يومية إلى خدمة شبه صامتة. لم يعد الناس ينتظرون السقا، بل ينتظرون انقطاع الماء إن حدث. ومع أن الراحة زادت، فإن شيئاً من العلاقة الإنسانية بالماء تبدّل. صار الماء أقل حضوراً في الوعي اليومي، وأكثر قابلية لأن يُنسى فضله. لم نعد نرى الجهد الذي يصل به، ولا الطريق التي يقطعها، ولا اليد التي كانت تحمله.
لكن المهنة لم تختفِ تماماً من الذاكرة. بقيت في الأسماء. فكثير من العائلات في العالم العربي تحمل أسماء مهن قديمة: النجار، الحداد، الخياط، الحلاق، السقا. هذه الأسماء ليست مجرد ألقاب، بل وثائق اجتماعية صغيرة. إنها تخبرنا أن أجداداً مارسوا عملاً، وأن المدينة كانت تُعرّف أبناءها أحياناً بما يفعلونه. حين نقول السقا، فإننا لا نستدعي شخصاً فقط، بل طبقة كاملة من الحياة اليومية: أزقة، بيوت، صبر، وطلب ماء.
اليوم، قد يسمع بعضهم اسم السقا فيربطه بشخصية عامة، فنان أو رياضي أو كاتب، لأن الاسم ما زال حياً في الأسماء العائلية. وهذا طبيعي. فالأسماء تنتقل من المهنة إلى الهوية، ثم تعود للظهور في مجالات جديدة لا علاقة لها بالماء أو القربة. لكن وراء كل ذلك يبقى الأصل دالاً على معنى قديم: أن السقاية كانت خدمة، وأن من كان يقوم بها كان قريباً من حاجة الناس الأولى.
في الثقافة العربية، لسقي الماء مكانة أخلاقية واضحة. فالماء ليس سلعة كغيرها، لأنه مرتبط بالحياة مباشرة. ومن هنا حملت كلمة السقا شيئاً من الكرم، ومن الإغاثة، ومن المعونة. حتى في الأمثال والحكايات الشعبية، كثيراً ما يرتبط الماء بالخير، ويرتبط منحه بالفعل النبيل. لذلك فإن السقا لم يكن مجرد عامل في سوق، بل كان قريباً من معنى العطاء اليومي الذي لا يحتاج إلى إعلان.
ما يلفت في حكاية السقا أنها تذكّرنا بأن المدن لا تتغير فقط بالمباني والطرق، بل بتغير طريقة وصول الحاجات البسيطة. حين يصبح الماء مجهول المصدر، وحين تختفي الأصوات التي كانت تعلن قدومه، تتغير علاقة السكان بمدينتهم. التقدم ضروري، ولا أحد يتمنى عودة العطش أو المشقة، لكن تذكر المهنة القديمة يساعدنا على فهم شيء مهم: أن كل خدمة نستهين بها اليوم كانت يوماً عملاً بشرياً كاملاً، له تعبه، وأهله، وقيمته.
ربما لهذا السبب يبقى اسم السقا مثيراً للانتباه. إنه ليس اسماً غريباً أو منسياً تماماً، لكنه يحمل طبقة من التاريخ الاجتماعي لا تظهر في الكتب الكبرى. يظهر في دفتر عائلة، أو لافتة متجر قديم، أو اسم فنان أو لاعب، أو حكاية جدّ عن زمن كان الماء فيه يأتي على ظهر رجل يعرفه الحي كله. وفي ذلك ما يكفي لنتأمل كيف تتحول المهن إلى أسماء، وكيف تتحول الأسماء إلى ذاكرة.
قبل أن يصير الماء سهلاً: السقا الذي حمل حياة المدينة على كتفيه
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/27io4p6q