في أواخر شهر أبريل، كانت منصّة «إكس» تضجّ بصورةٍ بسيطة: شابةٌ في العشرينيات تقف أمام لوحة مضاءة في أحد معارض القاهرة، ترتدي جاكيت جينز مُحَرَّر باليد، وتحمل حقيبةً صغيرةً كُتب عليها بخطٍّ واضح «يارا حسام حسن». لم تكن الصورة مُنظَّمة كما تفعل المؤثرات، ولا حتى فاخرة كصور المشاهير، لكنها جمعت في ساعتين أكثر من مليون مشاهدة، وترك الناس يتساءلون: من تكون يارا حسام حسن؟
الإجابة لم تكن في السيرة الذاتية، بل في الحكاية الصغيرة التي التصقت بالاسم. قبل ثلاث سنوات، كانت يارا طالبةً في كلية الفنون الجميلة، ترسم لوحاتها على الجدران المهجورة في حيّها بمدينة السادس من أكتوبر، وتوقّعها دائماً بـ«ي.ح.ح». عندما التُقطت صورةٌ لأحد هذه الجدران، تناقلها روّاد مواقع التواصل كرمزٍ لـ«الفن غير الرسمي» في مصر، دون أن يعرف أحد اسم الفنانة الحقيقي. بقيت يارا مجهولةً طوال عامٍ كامل، إلى أن نشرت مقطع فيديو قصيراً وهي تُعيد رسم جدارٍ تعرّض للإزالة، وظهرت فيه لثوانٍ معدودة، لتكتب على الجدار الجديد: «أنا يارا حسام حسن، وسأظل أرسم».
منذ تلك اللحظة، تحوّل الاسم إلى ظاهرةٍ تُعادل ظهور فرقة موسيقية جديدة. لكن بدلاً من الألبومات، كانت يارا تُطلق «مشروع الجدار المفتوح»، حيث تفتح تسجيلاً عبر الإنستغرام لسكان أي حيّ يرغبون في تحويل جدارٍ متهالك إلى لوحة فنية. تختار الحيّ بعناية، ترسل رسالةً صوتيةً لسكانه تشرح فيها فكرة الرسمة، ثم تصل في الموعد المتفق عليه بحقيبةٍ صغيرةٍ وسلّمٍ محمول. لا تُصوّر الحدث كاملاً، بل تترك للجيران أن يشاركوا اللحظة كما يريدون. بعد أربع جلسات فقط، صار اسم «يارا حسام حسن» يُقال في المقاهي والمدارس كرمزٍ لـ«الجمال المشترك»، كما لو أنها لم تعد فنانةً منفردة، بل مبادرةً يوميةً يمكن لأي أحد الانضمام إليها.
ما يميّز قصة يارا هو أنها لم تُقدّم نفسها كـ«رائدة» أو «مُنقذة»، بل كشخصٍ يملك مهارةً وقرر مشاركتها بطريقةٍ لا تُرهق أحداً. عندما سُئلت في إحدىن الحوارات الصحفية عن سرّ هذا الانتشار، قالت: «الناس تعبت من الانتظار. لو عندك فُرشاة وجرّافة ألوان، فأنت مُتاح لك أن تبدأ. المهم أن لا تنتظر تصريحاً». كانت تتحدث بصوتٍ هادئ، كمن يشرح طريقة خلع حذائه. ومع ذلك، كانت كلماتها تُعاد تغريدها آلاف المرات، لأنها أصابت نقطةً نادراً ما يجرؤ أحد على قولها: أن الفن لا يحتاج إلى مؤسسةٍ كبيرة، بل إلى قرارٍ صغير يتكرر.
في الأسبوع الماضي، فتحت يارا باباً جديداً. أطلقت منصةً إلكترونيةً صغيرةً بعنوان «باب يارا»، لا تبيع فيها لوحاتٍ جاهزة، بل تُتيح لأي شخصٍ أن يرسل صورةً لجدارٍ يريد تحويله، ثم تُرسل له خطة ألوانٍ ورسوماتٍ أولية، مع دليلٍ مبسّط لكيفية تنفيذها. سعر الخدمة؟ ما يستطيعه الشخص. بعضهم دفع جنيهين، وبعضهم دفع مئات، لكن النتيجة كانت واحدة: جدرانٌ جديدةٌ تظهر كل يوم في أحياء مختلفة، موقعةً بـ«يارا حسام حسن»، ثم يُعاد نشرها بفخرٍ من قاطني الحي. لم تعد الفنانة هي المركز، بل أصبح الجدار نفسه هو الحدث، والاسم مجرد تذكيرٍ بأن أحدهم بدأ، فاستطاع غيره أن يُكمل.
قد يظن البعض أن ما تفعله يارا مجرد موضةٍ عابرة، لكنها في الواقع تُعيد صياغة فكرة «الفنان المجهول». في زمنٍ نُعرف فيه أسماء المصممين قبل أن نعرف أعمالهم، اختارت يارا أن تُبقي الضوء على المكان، لا على الشخص. عندما زرتُ معرضها الأخير، لم أجد لافتةً كبيرةً باسمها، بل وجدت جداراً مكتوباً عليه بخطٍ صغير: «لو رأيتَ هذا الجدار، فأنت مشاركٌ فيه». وتحته، كانت مجموعةٌ من الأطفال يُمسكون بفرشٍ صغيرة ويُضيفون خطوطاً ملوّنة، بينما أمهاتهم يضحكن ويُصورن اللحظة. لم أسمع صوت يارا، لكنني شعرتُ بها في كل ضحكةٍ صغيرة، كأن الاسم أصبح مرادفاً لبدايةٍ جديدةٍ يمكن أن تحدث في أي لحظة.
في النهاية، لا يهمّ كثيراً أن تعرف من هي يارا حسام حسن على المستوى الشخصي، بقدر ما يهم أن تعرف أن فكرةً بسيطةً يمكن أن تُخرج الجمال من الصمت. الاسم اليوم لا يُذكر كثيراً في العناوين الرئيسية، لكنك ترى أثره في كل جدارٍ تمّ تحويله من رماديٍ إلى قوس قزح. ربما هذا هو التعريف الحقيقي للنجاح: أن تترك أثراً يستمرّ حتى بعد أن يغيب صوتك.
عندما يصبح الاسم حدثاً: لماذا لفتت يارا حسام حسن أنظار الجميع؟
Source: HotArticle
Original link: https://www.hotarticle24.com/231ogt1l